الوسوم

المقالات (4)

الكمالية والتسويف: كيف كدتُ أقضي على مشاريعي وشغفي بيدي؟

الكمالية والتسويف: كيف كدتُ أقضي على مشاريعي وشغفي بيدي؟

١٤ يونيو ٢٠٢٦5 دقائق قراءة3 مشاهدة
الكماليةالتسويفمقال قصير

خلال طريقي وتجربتي في هذا المجال، لاحظت تصرفاً غريباً ومستفزاً في نفسي، لم أكن أدرك خطورته في البداية؛ وهو السعي الهوسي وراء الكمال (Perfectionism) وعلاقته المباشرة بالمماطلة والتسويف الذي كان يعطلني باستمرار.

كان السيناريو يتكرر معي بنفس الطريقة دائماً: تلمع في رأسي فكرة مشروع جديد، أتحمس لها بشكل لا يوصف، وأبدأ العمل عليها بكامل طاقتي. لكن بمجرد أن ينتصف المشروع أو أقترب من نهايته، يبدأ شعور مزعج بعدم الارتياح بالتسلل إليّ. فجأة، أفقد الرغبة في الإكمال، وأشعر داخلياً أن هذا المشروع لن ينجح ولن يفيد أحداً.

كان هذا الشعور يزداد سوءاً كلما واجهت خطأ برمجياً أو "جلتش" غير متوقع، أو عندما تقع عيني على مشروع منافس نفذ الفكرة نفسها بشكل أسلس وبميزات متقدمة للغاية. هنا، أصاب بإحباط شديد ينتهي بي إلى تسويف مستمر يمنعني من الإكمال، بل ويعطلني عن مواصلة التعلم؛ والمشكلة الأكبر أن هذا المجال يتطلب الممارسة العملية المستمرة، لا الدراسة النظرية الجافة.

لم أكن أدرك وقتها أن هذا التردد والتأجيل ليس كسلاً، بل هو تسويف مبطن تغذيه الكمالية. فعندما تضع لنفسك معايير تعجيزية، يبدأ عقلك برؤية المهمة كتهديد مباشر لتقديرك لذاتك. تصبح المعادلة في رأسك: "إذا لم أتمكن من إنتاج هذا العمل بشكل مثالي وبدون أي خطأ، فمن الأفضل ألا أبدأ به أو أكمله الآن". هكذا يتحول السعي وراء الجودة إلى جدار دفاعي يدفعك لتأجيل العمل يوماً بعد يوم، وتجد نفسك غارقاً في دوامة من التخطيط والتحضير اللانهائي دون أي إنجاز فعلي.

"الحقيقة أنني كنت أحاول أكل جمل كامل دفعة واحدة. والواقع أن الأمور لا تمشي بهذه الطريقة أبداً."

كنت أحاول القفز إلى النهاية دون مراعاة ظروفي الزمانية والمكانية، ولا مستواي المعرفي الحالي. أنظر إلى المنصات الكبيرة وأنسى أنها لم تبدأ بشكلها الحالي؛ بل انطلقت بسيطة جداً وتطورت على مدار سنوات. غاب عن ذهني أن خلف هذه الخدمات شركات عملاقة بميزانيات ضخمة، ومع ذلك، لا تخلو خدماتها من العيوب والأخطاء.

كم مرة تصفحت يوتيوب وواجهت عطلاً مفاجئاً أو جلتشاً غريباً في الواجهة؟ لم يقل أحد منا وقتها إن المهندسين هناك فاشلون أو لا يعرفون ماذا يفعلون. فلماذا نكون قاسين جداً على أنفسنا، بينما نلتمس الأعذار للآخرين ونبرر لهم أخطاءهم لمجرد أنهم أصبحوا كباراً في السوق؟

العيش في انتظار اللحظة المناسبة التي يكون فيها كل شيء مثالياً وفي أحسن حال هو مجرد وهم. هذه اللحظة لم تأتِ سابقاً، ولن تأتي أبداً. كلما تفكر أنك وصلت للنهاية وتجنبت كل الأخطاء، ستجد أن هناك مساحات شاسعة وجديدة تحتاج إلى تطوير مستمر.

علينا أن ندرك يقيناً أننا لن نكون كاملين، وأن السعي خلف الكمال المطلق يستهلك طاقتنا بلا طائل، فالكمال لله وحده. السر الحقيقي وراء نجاح الأفكار الكبرى يكمن في تبني مفهوم "النسخة الأولية البسيطة"؛ البداية بشيء متواضع ومباشر، ثم تكبيره وتطويره خطوة بخطوة بناءً على التجربة الفعلية. هذا الأسلوب العملي هو الذي ينقذ الأفكار ويجعلها تنجح، بينما غيابه هو السبب الأساسي وراء موت الكثير منها قبل أن ترى النور.